راية التوحيد
هام وعاجل بدأ نزح اهالي دمشق والمناطق المنكوبة الى محافظة السويداء يتم استقبال النازحين حاليا في المقامات و في معسكر الطلائع في رساس ومناطق مختلفة ويشرف على متابعة اححوالهم الهلال الاحمر السوري فرع السويداء وتشكلت مجموعات من الشباب لتأمين التبرعات و المواد الغذائية والاحتياجات لضيوف السويداءوالوقوف مع اهلنا في مصابهم
نرجوا من كل ابناء جبل العرب المغتربين والمقيمين التعاون معنا لنمسح دمعة عن خد طفل وام تشردوا
للتواصل والاستفسار عن التبرعات والمساعدة ضمن المجموعات الشبابية
يمكنكم الاتصال بي على الرقم التالي
0994016845
من خارج سورية
00963994016845
وشكرا لكم

راية التوحيد

 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول
صبرا دمشق على البلوى فكم صهرت سبائك الذهب الغالي فما احترقا ...
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة
» ديوان "دندنة النجوى" نبيل نصرالدين
الإثنين أغسطس 01, 2016 5:38 am من طرف نبيل نصرالدين

» هواجس بلا وسَن ..الكاتب الشاعر نبيل نصرالدين تموز 2016
الأحد يوليو 31, 2016 3:26 pm من طرف نبيل نصرالدين

» ومضات من هواجس بلا وسن .. الكاتب الشاعر نبيل نصرالدين
الجمعة مايو 06, 2016 3:51 am من طرف نبيل نصرالدين

» المبعود الذي هز مجد الشمس
الخميس فبراير 18, 2016 3:40 am من طرف موحده من بني معروف

» اهمية النظر وتاثيرها على النفس منقول
الأحد ديسمبر 27, 2015 1:26 am من طرف بهاء شمس

» قصيدة : تروّى ياسامع وعارف معنى العبارة
الثلاثاء ديسمبر 22, 2015 8:34 am من طرف عمر نصر

» هَواجِس بِلا وَسَن..الكاتب الشاعر نبيل نصرالدين اب 2015
الثلاثاء أغسطس 25, 2015 9:42 am من طرف نبيل نصرالدين

»  نسائم الروح -الكاتب الشاعر تبيل نصرالدين تموز 2015
الثلاثاء يوليو 14, 2015 12:56 pm من طرف نبيل نصرالدين

» السويداء في القلب\ الكاتب الشاعر نبيل نصرالدين 2015
الثلاثاء يوليو 14, 2015 12:46 pm من طرف نبيل نصرالدين

» هواجس بلا وسن 11.7.2015 -الشاعر نبيل نصرالدين
السبت يوليو 11, 2015 3:37 am من طرف نبيل نصرالدين

» بالصور- دبابات ومضادات للطائرات مخبأة في منزل ألماني
الجمعة يوليو 03, 2015 11:40 am من طرف عمر نصر

» وادي العجم
الجمعة يونيو 26, 2015 3:07 pm من طرف فايز عزام

» البنتاغون يطور دراجات نارية "طائرة"
الجمعة يونيو 26, 2015 3:27 am من طرف عمر نصر

» أسباب مهمة تجعلك تثابر على تناول الرمان يوميا
الجمعة يونيو 26, 2015 3:23 am من طرف عمر نصر

» احذر .. هذا الريجيم قد يسبب الوفاة !
الجمعة يونيو 26, 2015 3:18 am من طرف عمر نصر

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
amal
 
نور بني معروف
 
يمامه
 
نور
 
كنار
 
فجر
 
ابو فهـــد
 
القيصر
 
موحد للموت
 
المراقب
 
تابعنا على الفيس بوك
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
سحابة الكلمات الدلالية
كتاب ابراهيم مقام معروف محمد الموحدون سلمان الدين جوفيات سيدنا جواد حمدان الله الخضر دعاء الحكيم الفاضل الدروز النبي الست الامير الشيخ سبلان النفس الفارسي شعيب

شاطر | 
 

 من مذكرات السلطان ...تسلسل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نور بني معروف
مشرفة
مشرفة


انثى عدد الرسائل : 8935
المزاج : الاتكال عالله
الدين أو المذهب : ما هو دينك أو مذهبك
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 39
نقاط : 159752
تاريخ التسجيل : 13/09/2008

مُساهمةموضوع: من مذكرات السلطان ...تسلسل   السبت يونيو 18, 2011 1:27 pm

جاء في مذكرات عطوفة سلطان باشا الأطرش, عن لسان المجاهد الكبير, هلال عز الدين الحلبي, قوله إن هلال, كان يستضيف في داره في قرية الثعلة,في أيام الثورة السورية الكبرى, سلطان باشا وعددا من زعماء البلاد, فباغتتهم الطائرات الفرنسية, وراحت ترمي قنابلها على القرية, التي كانت تغص بالثوار. قام بعض المجاهدين, وأطلقوا نيران بنادقهم على الطائرات, التي انسحبت. ولما عادوا إلى الديوان, تحدث أحدهم قائلا :" مرت بنا بعض النساء, بالقرب من الموقع الذي كنا نطلق منه الرصاصات, وهن تحملن جرار الماء على أكتافهن, وتسرن بهدوء غير مضطربات. كان الدوي مخيفا, الغبار يتط... بكثافة إلى الفضاء, فسمعت إحداهن تقول:" الله يلعن اللي اخترعها, لقد أعمت عيوننا بالغبار"فأثارت هذه الكلمات روح التضحية في نفسي, وصرت لا أبالي بالموت, عندما أصغيت إلى ذلك الدرس البليغ, في رباطة الجأش, وقوة الإيمان, بالقضاء والقدر, من هاتيك النساء الفاضلات.."
نعم, الطائفة الدرزية منذ ألف سنة, تمتاز برباطة الجأش, وقوة الإيمان وبالقضاء والقدر. هذه الطائفة, ظلت شامخة, مرفوعة الرأس,منتصبة القامة, خلال كل تلك الفترة, كي تحافظ على عزتها وكرامتها, وقد تحدت أقوى الإمبراطوريات, وأكثر الحكام ضراوة, وأفتك الجيوش, عندما كانت تشعر أنها على حق. والشاب الدرزي, والشيخ الدرزي, والمرأة الموحدة, حينما يشعر أي عنصر منهم بخطر داهم, يجند كل قواه ويجمعها, ويجد كم هي كبيرة ومنيعة ,ويلقيها إلى ميدان المعركة, متكلا على الله, سبحانه وتعالى, مؤمنا بالمصير المحتوم, قابلا كل ما كتب عليه, فيتحقق له, بعونه تعالى, النصر والبقاء والعزة والكرامة, وأحيانا يكون نصيبه الخسارة والإنهزام, بسبب قوة أكبر, أو خدعة, أو مؤامرة, أو أي شيء آخر, لكن المواطن الموحد يتقبل الخسارة بهدوء وإيمان, ويظل راضيا عن نفسه, أنه فعل كل ما باستطاعته, كي يتغلب على المواجهة وينتصر, وأنه لم يقصر بشيء. وقد كتب على الطائفة الموحدة, أن تقدم تضحيات كبيرة, منذ المراحل الأولى للدعوة. ومن الممكن أن نعتبر الداعي الشهيد عمار (ر) من أوائل الشهداء, الذين ضحوا بحياتهم, دفاعا عن الكرامة والمذهب والإخوان. وكان الداعي عمار (ر) قد بعث بمهمة خاصة إلى وادي التيم, ومر ببلادنا, واعتدي عليه في جنوب لبنان, وتم دفنه في منطقة الحولة, بعد أن ظهرت له كرامات.ولما تغيرت الأحوال في القاهرة, بدأت المحنة واعتدي على الموحدون في لبنان وفلسطين وحلب, وخاصة في أنطاكية, التي كانت من أهم مراكز الدعوة, وسقط الشهداء, الواحد تلو الآخر, وخاصة شيوخ الدين القائمون بالدعوة, وهم الجنود البواسل الذين أخذوا على عواتقهم, نشر الدعوة والذود عنها.
ولم تتوقف الإعتداءات, واستمرت كل الوقت, حيث دفعت الطائفة ثمنا غاليا في فترات التاريخ المختلفة. ففي معركة الأقحوانة, وفي مرتفعات عاليه وجبال الشوف, وفي حلب وهضاب حوران, وسفوح جبل الشيخ, وقمم الكرمل والجرمق والزابود, وفي أماكن أخرى من الشرق وشمالي إفريقيا, أريقت دماء عدد كبير من الشهداء الموحدون, وسجلت بطولات وتضحيات. ولا يمكن أن ننسى الإخوة الخمسة الذين سقطوا في معركة واحدة, ولا يمكن أن ننسى شبابا موحدونا حاربوا أحيانا في معركة واحدة, أو جبهة واحدة, الواحد أمام الآخر, فهذا هو مصير الطائفة الموحدة وقدرها, وعلى هذا المبدأ نشأت وتربت وعلمت أبناءها أن يحترموا من يحترمهم, ويجلوا من يجلهم, ويناصروا من ينصرهم, ويذودا عن الذين يلتجئون إليهم ويدافعوا عن جيرانهم ومعارفهم, وبالدرجة الأولى يدافعوا عن أنفسهم وأولادهم وشيوخهم ونسائهم.
ومن هذا المنطلق, رفع سلطان الأطرش راية الثورة, ورفع الأمير مجيد أرسلان علم الإستقلال, وأعلن الزعيم رشيد طليع استقلال الأردن, وقاد كمال جنبلاط حركة ثورية, ووقف الشيخ جبر معدي في الكنيست, يحذر الطاغية أديب الشيشكلي من التعرض للموحدون, وترأس وليد جنبلاط معسكر الإستقلال اللبناني ومنع عضو الكنيست أمل نصر الدين من جمع الأسلحة من موحدون لبنان وإبقائها للدفاع عن كيانهم, وضحى غيرهم الكثير في سبيل مواقفهم ومبادئهم ودفاعا عن طائفتهم أو دولتهم أو أهلهم. وبسبب هذه المواقف استشهد رفيق حلاوة, وسليم حاطوم, وفؤاد سليم, وكمال جنبلاط, والشيخ أبو عفيف, والشيخ مسعود الغريب, والشيخ حسن خنيفس,والشيخ حسن أبو ركن, وسليم عليان, ومدحت يوسف,ونبيه مرعي ولطفي نصر الدين, ومعهم آلاف الشهداء الأبرار, الذين دفعوا الثمن لأنهم موحدون, ولأنهم أبوا إلا أن يذودوا عن كيانهم, وأن يحققوا بموتهم استمرار الوهج التوحيدي ساطعا.
إن الموت في سبيل الجماعة, والإستشهاد من أجل الوطن والطائفة والمجتمع, هو أمر بديهي وعريق, في تاريخ الطائفة الدرزي, ولا تخلو فترة من الفترات في الذاكرة الموحدة, لم يسقط فيها شهداء من أجل هذه الأهداف المقدسة. ومع الوقت, تعلمت الطائفة الموحدة, أن تعيش مع هذا الواقع, وأن تبكي بهدوء, حسرة على شهدائها, لكنه تعلمت كذلك, أن الحرية والكرامة والإستقلال, لا يتم أحد منها, إلا بشق الأنفس والتضحية والمخاطرة ودفع الثمن. وأبناء الطائفة الموحدة, المؤمنون بالقضاء والقدر والمكتوب والمقدر, يتقبلون الإستشهاد, مرفوعي الرأس, مع إيمان خارق بأن الله, سبحانه وتعالى معهم.
وعودة إلى مذكرات سلطان الأطرش, المليئة بالعبر والحكم, وفيها يتحدث هذه المرة, عن المعركة ضد الفرنسيين في راشيا, حيث اقتاد ضابط فرنسي, أبناء عائلة القاضي نعمان زاكي, قاضي المذهب الموحد, وأخرجهم إلى ساحة البلدة, وأوقفهم صفا واحدا, ثم بعث يسأل رئيسه المسؤول, عما يجب أن يفعله بهم. فأجابه بسخرية وتهكم :" إقطع لهم تذاكر سفر, درجة أولى, إلى الصين" إشارة إلى عقيدة الموحدون بالتقمص, القائلة بأن أرواح الأتقياء من شهدائهم, قد تنتقل إلى إحدى مناطق الصين المجهولة, لتتقمص أجساد المواليد من اوليائهم المحتجبين هناك." ولم يذكر الباشا في مذكراته, إن كان هذا الضابط, قد قتل أفراد العائلة أم لا. وما يهمنا, هو ذلك الموقف, الذي ينضم فيه أفراد عائلة القاضي زاكي, إلى مئات وآلاف الشهداء الموحدون, الذين حاربوا في مختلف المعارك والحروب والجبهات, دفاعا عن الأرض والوطن والعرض والدين, وضحوا بأرواحهم وأجسادهم, وممتلكاتهم ومستقبلهم, بعد أن قطعت لهم التذاكر, درجة أولى إلى الصين...

يتتبع


عدل سابقا من قبل نور بني معروف في الثلاثاء يونيو 21, 2011 4:51 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
amal
موحد اصيل


انثى عدد الرسائل : 10170
العمر : 32
الموقع : الوحده
المزاج : حزينه
المهنة :
الهوايات :
الأوسمة :
الدين أو المذهب : درزيه
عارظة الطاقة :
89 / 10089 / 100

السٌّمعَة : 134
نقاط : 163678
تاريخ التسجيل : 03/08/2008

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   السبت يونيو 18, 2011 1:46 pm

هي اسسنا التي حافظت علينا
وايماننا الذي دهم تواجدنا
فمثل تاريخنا المجيد الايمان بالقضاء والقدر
والرضى والتسليم اللذين باتحادهم صنعت البساله
وظهرت عبر تاريخ الطائفه الكريمه

موضوع رائع
شكرا لكي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://tayhid.ba7r.org/
محمود صالح دخان
موحد ذهبي
موحد ذهبي


عدد الرسائل : 1215
الدين أو المذهب : ما هو دينك أو مذهبك الاسلام
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 13
نقاط : 108521
تاريخ التسجيل : 07/03/2011

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   السبت يونيو 18, 2011 3:01 pm

قل لن يصيبنا الى ماكتبة اللة لنا ....... والمؤمنون اشد بلوة وتاريخ الموحدون غنى عن التعريف مشكورة اختى على التقديم الرائع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فجر
مشرف
مشرف


ذكر عدد الرسائل : 1950
الموقع : قمم الريان
العمل/الترفيه : مجال المطاعم
المزاج : مرووووووق
الأوسمة :
الدين أو المذهب : درزي للعظم
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 25
نقاط : 120298
تاريخ التسجيل : 22/06/2010

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   السبت يونيو 18, 2011 8:36 pm

القضاء و القدر
نبراس معلق في بيوتنا
ينير أرواحنا
و يقتح لنا درب التسامح
و هذه العادات و الخصال التي ورثناها
ما زلنا نعتز بها
مشكورة
تقبلي مروري
ننتظر المزيد
علمتني امي تلك المرأة الريفية الطيبة
أن الرماد ليس انتهاء النار
دمشق 19-6-2011م
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
nasiba
موحد ذهبي
موحد ذهبي


انثى عدد الرسائل : 1546
العمر : 34
الموقع : جرمانا
العمل/الترفيه : الشطرنج
المزاج : الحمد الله
الدين أو المذهب : ما هو دينك أو مذهبكdorziya
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 10
نقاط : 107174
تاريخ التسجيل : 04/03/2011

بطاقة الشخصية
علاء:
40/40  (40/40)

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   الأحد يونيو 19, 2011 5:13 am

الايمان بالقدر كيفما كان خيره وشره من صفات الموحد الاصيل والتاريخ خير دليل على ايمانهم القوي

يسلمو ايديكي قلبي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور بني معروف
مشرفة
مشرفة


انثى عدد الرسائل : 8935
المزاج : الاتكال عالله
الدين أو المذهب : ما هو دينك أو مذهبك
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 39
نقاط : 159752
تاريخ التسجيل : 13/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   الأحد يونيو 19, 2011 8:36 am

بينما كنت أقوم ببعض الاتصالات في قرى الجنوب، حضر شكيب وهاب ليلاً إلى بيت حمد البربور بأم الرمان، فوجدني هناك مع بعض الأقارب و الأصدقاء، و أخبرني أن أدهم خنجر، يصحبه محمد الزغيّر، قد وصل إلى القريّا لاجئاً، و كنت أعلم من قبل أن السلطة الفرنسية تطارده بسبب اشتراكه - مع خليل مريود و محمود البرازي و محمد ظاهر و شريف و محمود حسن و شكيب وهاب- بالكمين الذي نصبوه للجنرال غورو و مرافقيه في موقع (كوم الرويسه) على طريق القنيطرة، حيث أمطروهم وابلاً من الرصاص، فقتل الملازم (برانات) و جرح حقي العظم، و كتبت النجاة للجنرال و القومندان (كاترو) و الآخرين، و ذلك في أواخر شهر حزيران عام 1921.

و في صبيحة اليوم التالي ذهبت إلى قرية (حوط) و لكني حثثت السير كي أتمكن من العودة إلى القريا في اليوم نفسه، فوصلت البيت في نحو الساعة الثالثة بعد الظهر، و سألت عائلتي و إخواني عن الضيف المذكور، فأجابوا أنهم لا يعرفون شيئاً عنه، بل استغربوا استفساري عن أمر لم يكن لهم علم سابق به!..

و لم ألبث أن تلقيت رسالة من أدهم خنجر نفسه (1)، يذكر فيها أنه قصد ديارنا مستجيراً.

و لكن السلطة المحلية اعتقلته عند وصوله إلى القريا و ساقته مخفوراً إلى السويداء، و أن حياته مهددة بالخطر، فهو لذلك يستحثني كي أعمل على إنقاذه قبل فوات الأوان!..

استدعيت مدير الناحية و رجال المخفر، فلم أجد أحداً منهم، فأوفدت من فوري أخي علي إلى السويداء لمقابلة المستشار الفرنسي (ترنكا) و كان الأمير سليم يومئذ بدمشق لأسباب صحية- و بعثت معه رسالة إلى عمي فارس ابراهيم الأطرش، ذكرت له فيها أن الفرنسيين قد تجاوزوا حدودهم حين ألقوا القبض على رجل استجار بنا و احتمى في دارنا، و رجوته أن يتدخل بنفسه في الأمر لإقناع السلطة الفرنسية بإخلاء سبيل ضيفي فوراً، و إلاّ تدبرت أمر إنقاذه بطريقتي الخاصة!..

لقد كان جواب (ترانكا) يتضمن كل معاني الإثارة و التحدي، إذ قال لأخي علي:

(إن الرجل في القلعة ليأت أخوك و يأخذه، لقد صار في حوزة الجند الفرنسي، عندكم المحافظة على الضيف، و عند الجند المحافظة على الجاني!..)

أما عمي فارس، فقد قال برسالته الجوابية:

إننا الآن في ظل سلطة القانون، و لم يعد لأحد حماية إلا به، و بالمحاكمة تظهر براءة أدهم أو عدمها).

و مع ذلك، فقد حاولت الإتصال مباشرة بالمراجع العليا، فأرسلت إلى المندوب السامي في بيروت برقية، ذكرت فيها ما خلاصته:

(مع الأسف لم يراعَ البند القائل أن فرنسا تحافظ على تقاليدنا و عوائدنا و معلو أن الضيف و القاصد، هما واحد في نظر عشائرنا، فرجال حكومتنا لم يراعوا هذا البند، و المستشار ترانكا يصر على ذلك، أطلب من عدلتكم أن لا تجعلني مضغة في أفواه العرب...الرجل يطلب مني أن اتوسط له، و أطلب له العفو من فخامتكم.)

لم أتلقَ جواباً عليها، و لا أدري إذا كانت قد وصلت إلى صاحبها، و على أي حال فقد كنت مقتنعاً في قرارة نفسي، ان أدهم خنجر لا يمكن تصنيفه في زمرة الجناة و المجرمين لينال عقابه بالطريقة التي يريدها الفرنسيون و غنما يعتبر هو و رفاقه في تلك الحادثة من جملة المجاهدين الذين يقومون بواجبهم الوطني و يؤدون فريضة الجهاد المقدس لطرد الأجنبي المحتل من بلادنا، فكيف أُعرِض عن حمايته و لا أعمل على إنقاذه و كيف أتخلى عنه و أترك أمره لعدالة الفرنسيين، و شريعتهم المطبّقة في سوريا و لبنان لا تختلف من حيث الجوهر عن شريعة الغاب في شيء، و ماذا يقول عني شيوخ العشائر، في أقاصي بلاد العرب و أدانيها، إذا لم أَجِرْ ضيفي و أحمِ نزيلي، و كيف يهدأ لي بال و يرتاح لي ضمير إذا قصّرت عن مثل هذا الواجب و صدفت عنه طلباً لراحة و إرضاءً لمشيئة المستعمر الدخيل؟!..



جمعتُ من فوري، أهالي القرّيا و عرضت الموضوع عليهم من كل جوانبه، فثارت ثائرتهم، و هبّوا لانقاذ ضيفهم بحماسة منقطعة النظير. و اتجهنا نحو السويداء، مشاةً و فرساناً بعد أن أرسلنا (المفزع) يطلب النجده من قرى الجنوب. و عيّنا مكن اللقاء (رساس) و سرعان ما توافدت على هذه القرية بيارق المقرن (المنطقة) يسير تحتها نحو ألفين من المحاربين، يُضاف إليهم فرسان عشيرة السردية بقيادة خلف الكليب.

أما الخطة التي وضعتها، فكانت تقضي بتطويق السويداء، و منع الدخول إليها و الخروج منها، إلا في حالات خاصة تستوجب التساهل لصالح المواطنين، و قد كلفت أخي مصطفى و خيالته بمراقبة طريق السويداء-الثعلة، و اتخذنا بيت نجم عزّ الدين مقرّاً للقيادة، بعد أن لقينا منه و من أهالي قريته كل تأييد و ترحيب، ثم أرسلت إلى الأمير سليم الأطرش برقيه، هذا نصّها:

(دمشق-حاكم جبل الموحدون، الأمير سليم الاطرش الأفخم- إن الحكومة المنتدبة تعترف في البرنامج أنها تحافظ على تقاليدنا و عوايدنا. مع الأسف أفراد الدرك و المدير لم يراعوا هذا البند، و ألقوا القبض على ضيف طالب التوسط منا عند الفرنسيين في بلدنا، و صار بوجهنا، استنهض همتكم لتدارك الأمر).

و في هذه الأثناء حضر مشايخ العقل: أحمد الهجري، و حسن جربوع، و علي الحناوي، و محمود أبوفخر (قاضي المذهب)، و طلبوا منا أن نكف عن استعمال القوة في قضية أدهم خنجر، و أن نترك أمره للقضاء، فرفضت طلبهم و غادروا المكان غاضبين، مع العلم بأن تدخلهم في الموضوع لم يكن المقصود منه سوى الخير، و حقن الدماء، و عدم تعريض البلاد لخطر كارثة جديدة.

و ربما كانوا يظنون أن الفرنسيين سوف يتساهلون معه، فيصدرون عفواً عنه، أو يستبدلون حكم الإعدام عليه بالسجن المؤبد، تهدئةً للخواطر، و إرضاءً للرأي العام في الجبل خاصةً.

و بينما كنا في بيت ضاهر القنطار بقرية"كناكر"، و بالتحديد في 21 تموز 1922، سمعنا طلقات البنادق و الرشاشات، فاسرعنا إلى مكان الحادث قرب "تل الحديد" حيث وجدنا المعركة دائرة بين أخي مصطفى و خيالته و بين ثلاثة مصفحات قدمت من درعا لنقل الضيف السجين إلى دمشق. فاستولينا على مصفحتين بعد وصولنا بقليل و هربت المصفحة الثالثة دون أن نتمكن من اللحاق بها أو تعطيلها بأسلحتنا الخفيفة. و قد قتل ثلاثة جنود فرنسيين و ضابط يدعى "بوكسان" و أُسر أربعة جنود أيضاً، و لم يقتل أحد منا، سوى أخي مصطفى قد أصيب بجراح بليغة أثناء عملية الإنقضاض التي قام هو مع رفاقه بها على المصفحتين، و وثوبهم عليهما من على ظهور جيادهم، و مع الأسف لم يكن أحد منا يعرف كيف يسوق المصفحة أو يستخدمها في القتال و لذلك لم نجد بُدًّ من تدمير ما أمكن تدميره من المصفحتين.

و لم يطل بنا الوقت حتى وصل إلى ميدان المعركة وفد يضم غالبية أعضاء المجلس النيابي و منهم عمي نسيب الذي حضر من دمشق مع الأمير سليم فتفاوضنا، و اتفقنا بعد نقاش حاد كاد يودي إلى اصطدام عنيف على ما يلي:

-أن نفك الحصار عن السويداء و نعيد قواتنا المرابطة إلى قراها.

-تسليم الأسرى الأربعة.

-يتعهد الوفد بتسليم أدهم لنا و رده سالماً في أقرب فرصة ممكنة.

أجل لم يكن في وسعي أن أفعل أكثر مما فعلت في ذلك الوقت بالذات، بعد أن لاحظت أثناء المفاوضة أن الحزب المعارض مصمم على خوض المعركة ضدنا بكل حزم و عناد.

و قد كسب إلى جانبه رضا الهيئة الروحية العليا، و صار بإمكانه أن يستغل ذلك في الأوساط الشعبية بسهولة و دون عناء. و فاتني أن أتمسك بالأسرى حتى يحضر أدهم خنجر. و لم أشعر أن زمام الأمر قد أفلت من يدي
إلا بعد وصولي إلى قرية رساس، حيث لم يبقَ إلى جانبي سوى ستة فرسان، منهم محمود درويش الذي دعانا إلى المبيت في داره بقرية (العفينة) المجاورة.

و قبل مغادرتنا رساس، حومت الطائرات في سماء السويداء، و فوق الطريق المؤدية إلى هذه القرية الأخيرة. ثم لاحظنا أنها تطلق إشارات لم نفهم منها شيئاً... و ما إن ابتعدنا قليلاً عن رساس حتى شهدنا قوة كبيرة من الخيّالة تخل القرية بقصد القبض علينا و كانت مدعومة ببضع مصفحات توزعت في منافذها و أحكمت الطوق عليها. فساورت نفسي الهواجس و الظنون، و ايقنت أن لا جدوى من التفاوض مع أصحاب السلطة المحلية، لأنهم لا يملكون من الأمر شيئاً، و ادركت عندئذ معنى الإشارات التي أطلقتها الطائرات أثناء تحليقها قبل قليل.

و في صبيحة اليوم التالي غادرت العفينة عائداً إلى القريا ففوجئتُ بآثار القصف الجوي الذي تعرضت له دارنا مساء اليوم الفائت. و ارتسمت في ذاكرتي الصورة الأولى لصور الدمار و الخراب التي ستقع عليها أنظارنا فيما بعد، بكل مكان، عندما نعلنها ثورة شاملةً على الفرنسيين!...

و مع ذلك، فقد حمدت الله على أنه لم يُصب أحد من أهلنا و أبناء قريتنا بأذى أثناء الغارة و عزمت على الرحيل إلى الأردن فوراً. فشددنا الرحال، و عينت لحمد البربور، الذي دمرت الطائرات بيته أيضاً، و لغيره من الرفاق الذين كنت أخشى عليهم من ملاحقة السلطة لهم و غدرها بهم، موعداً في (سمج) و أوعزت بنقل النساء و الأطفال إلى قرية (حبران)، و البقاء فيها ريثما يستقر أمرنا في المكان الذي قررنا النزول فيه.



و وصلنا إلى ديار بني حسن، و خيّمنا في خربة (رحاب) حيث مكثنا عشرة أشهر كنا خلالها موضع احترام العشائر المجاورة و حفاوتهم، و قد حاول متعب الأطرش، ونحن في سمج، أن يقنعنا بالعودة، و قدم لنا ختم المستشارية الفرنسية دليلاً على رغبة السلطة بمفاوضتنا و مصالحتنا فرفضنا و عاد الوفد المرافق له دون أن يتكلل مسعاه بالنجاح.

و لم يفتنا أن نُعلم الحكومة الأردنية بنزولنا في أرضها، و قد كتبنا لها رسالة بهذا الخصوص، و نقلها أخي "علي" إلى عمّان، و عاد يحمل إلينا جواباً يتضمن الموافقة و الترحيب، و غير أن السلطة الإنكليزية لم تكن راضية عن ذلك، فحاولت إخراجنا و تسليمنا إلى الفرنسيين، لو لم يعمل الأمير عادل أرسلان على إحباط مساعيها بالتعاون مع رشيد طليع و حديثة الخريشا و مثقال الفايز و طراد بن زبن (من شيوخ بني صخر) و غيرهم من رؤساء العشائر في الأردن، و التي كانت تربطنا بهم رابطة الصداقة منذ أيام الثورة العربية الكبرى.

و في تلك الاثناء ازدادت أواصر الصداقة متانةً بيني و بين الأمير عادل أرسلان و رشيد طليع. فكنت أجد فيهما كل مزايا الصدق في القول، و الإخلاص في العمل، و الإندفاع في خدمة القضية العربية. و ذات يوم وافتني أخبار مثيرة من الجبل زادت من هواجسي و قلقي. و هي ان الفرنسيين كانوا يرسلون بعض قواتهم يومياً من (بصرى) إلى (بُرد) و القريّا للاستيلاء على محاصيلنا و نهب مواشينا و التخريب في دورنا. و للتأكد من ذلك قررت بالاتفاق مع رفاقي أن نقوم بجولة استطلاعية داخل حدود الجبل نستكشف بها الأمور على حقيقتها. و من الذين رافقوني فيها، حمد البربور، خلف الكليب السردي، و فارس مفرّج، و مصطفى الخليل (من درعا)، و فارس الدبس، ومحمد البربور و ولده جادالله، و نصّار و رشيد البربور....و عند وصولنا إلى بُرد في 17 آب عام 1922 أخفينا الخيول في الدار، و كمنّا قرب البيدر، و ما لبثنا أن سمعنا هدير الطائرات و قد وصلت إحداها و راحت تحوم فوقنا دون أن ينكشف لها أمرنا، ثم أطلقت إشارات للقوة التي كانت تنتظر شرقي بصرى لتتابع تقدمها نحو بُرد.

كانت القوة الفرنسية مؤلفة من كوكبة من الفرسان. و بضع سيارات شحن لنقل الحبوب، و في داخلها بعض الجنود المسلحين. و ما أن اقتربت منا حتى أمطرناها بوابل من رصاص بنادقنا، فتراجعت تاركة وراءها عدداً من القتلى و الجرحى، و فقدنا نحن فرسين، و أصيب أخي علي بجراح، و قد أدت هذه الحادثة إلى حرق بيادرنا و تخريب دورنا و ضرب قريتي (بكا) و (أم الرمان) بالمدفعية الثقيلة بسبب مرورنا بهما أثناء عودتنا إلى الأردن.

يتتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور بني معروف
مشرفة
مشرفة


انثى عدد الرسائل : 8935
المزاج : الاتكال عالله
الدين أو المذهب : ما هو دينك أو مذهبك
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 39
نقاط : 159752
تاريخ التسجيل : 13/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   الثلاثاء يونيو 21, 2011 4:53 am

و في أيلول من العام نفسه، حضر إلى مكان إقامتنا بالأردن عامر أبو عامر من أم الرمان يحمل رسالةً موقّعة من يوسف الشويري و خليل صيدح * و فارس أبو حسّان (وهو وكيلنا في قرية سمج)، يذكرون لنا فيها ان الفرنسيين يرغبون في مصالحتنا دون قيد أو شرط، و يطلبون منا ان نعيّن لهم مكاناً للاجتماع بهم و التداول في هذه الأمور، ثم قدّم لي الرسول كتاباً موقعاً من قائد حامية بصرى جاء فيه:

(( إن السلطة الفرنسية تُكنُّ لكم احتراماً عظيماً، و هي مستعدة للتفاوض معكم من أجل إعادتكم إلى بلدكم سالمين مكرّمين، نقسم على ذلك بشرف فرنسا))

و قد أكّد لنا عامر أبو عامر، عن نيّة طيبة، أن لا مجال للخوف و الغدر من السلطة الفرنسية في هذه المرة.

كانت ظروفنا المادية تستدعي عودتنا إلى الجبل، فلبينا الدعوة مُكرهين، كنا ستة عشر خيّالاً توجهنا إلى خربة(القلو).

و قبل وصولنا إليها، لحق بنا رسول أخبرنا أن (السرحان) قد استولوا على غنم آل البربور في غزوة خاطفة! فاضطر حمد البربور إلى العودة مع ستة من رفاقنا ليسترد غنمه، و تابع الطريق معي كل من : شكيب وهاب، سلمان طربيه، محمد البربور و ولده جادالله، غازي العبدالله، فارس مفرّج، فارس الدبس و أخي علي.

سبقنا عامر أبو عامر ليستدعي الجماعة إلى مقابلتنا، و قد وجدناهم في خربة (القلو) بانتظارنا دون أن يعلم الفرنسيون بوصولنا إلى هذا المكان فتفاهمنا حول المهمة الموكولة إليهم، و قلت لهم بنهاية المقابلة: سنمضي الليلة هنا بانتظار علم منكم و لكنهم حاولوا اقناعي بالذهاب معهم للمبيت في سمج، و أخذ فارس أبو حسّان يُلّح علي بذلك مؤكداً لي مرة أخرى حسن نوايا الفرنسيين، فرفضت و قلت له بحزم، سنظل هنا الليلة!.

قضينا ليلتنا بضيافة عوّاد السرور، شيخ المساعيد، و مكثنا ننتظر أخبارهم حتى الضحى دون أن يحضر أحد منهم، فكلفنا سلمان طربيه و غازي العبدالله بالذهاب على أثرهم و العودة بالخبر اليقين، و ما لبث الرجلين أن عادا على ظهري جواديهما، و أفادا بان سمج مطوّقة بالجند الفرنسي، و ليس بالإمكان الإقتراب منها بسبب كثرتهم!...

لقد انجلى الموقف لنا على حقيقته، و صحّ ما كنا نتوقعه من غدر الفرنسيين و نحسب حسابه!. غير أن مؤامرتهم الرخيصة هذه شحذت فين الهمم و حفزّتنا من جديد على ركوب الأخطار، رغم قلة عددنا، لمعرفة مصير الوفد المفاوض الذي أقلقنا تأخره، و لإنقاذ مواشينا الموجودة في دارنا بقرية(سمج).

و لما وصلنا إلى الوادي الذي تمر منه طريق سمج-بصرى، كمنّا في مكان يدعى (دير الخريبه) و توارينا عن الأنظار وراء جدرانه المنيعة، و لم يطل بنا المقام حتى رأينا القوة الفرنسية تعود من سمج و هي تسوق أمامها قطيعاً من أبقارنا يزيد عن مائة رأس، و قد انقسمت إلى فريقين: الأول توجه إلى قرية (طيسيا) و الثاني تابع السير نحونا ببطء، و كانت الفرقة تسوق قطيع البقر و عدداً من البغال المحمّلة بالمؤن والعتاد الحربي. و كان الطقس جميلاً و السماء صافية، و الشمس تميل نحو المغيب، الأمر الذي جعلنا نتحكم بهم بسهولة و يسر و قد صبرنا عليهم حتى غدوا قريبين منا و أصبحوا في متناول يدنا، فصببنا عليهم نيران بنادقنا صباً، فاختلّ نظامهم و تفرقوا مذعورين من هول المفاجأة، و هربت الأبقار و شردت البغال، و رحنا نطاردهم على ظهور جيادنا كي نظفر بهم، غير أن فريقاً منهم عاد فتمركز في مكان حصين و راح يقذفنا بنيران رشاشه (الهوشيكس) مما شجع الآخرين على استئناف القتال بجرأة عظيمة و شجاعة فائقة و لكننا تصايحنا عليهم صيحات مرعبة، و فرقنا صفوفهم مرة ثانية، و انقض بعضنا على مركز الرشاش فاسكته، و تتبع الآخرون فلولهم و خلصنا البقر منهم و كسبنا أثني عشر بغلاً، و مررنا بسمج فأخرجنا منها المواشي الباقية ** و علمنا من بعض الأهالي أن يوسف الشويري و خليل صيدح و فارس أبو حسان قد تعرضوا للضرب و التعذيب بشراسة و وحشية.

لقد حدثني حسني صخر فيما بعد، عن هذه المعركة، فقال: (لقد وصلت إلى مكان الحادث، و عرفت أن الحملة الفرنسية كانت تعتقد أنكم في سمج، و كان عدد قتلاها في هذه الموقعة تسعة و الجرحى يزيد على عشرين، و البغال المفقودة أربعة عشر بغلاً).

أما خسارتنا فيها، فلم تتجاوز حصاناً واحداً لشكيب وهاب.

و في المساء التقينا بحمد البربور و رفاقه، وقد جاؤوا مسرعين إلى نجدتنا بعد أن خلّصوا الغنم من السرحان!.

و عدنا معاً ثملين بنشوة النصر يردد بعضنا (الهجيني) و الآخرون حداء الفرسان، حتى وصلنا في الهزيع الثاني من الليل إلى منازلنا في (رحاب).

لم تلبث أخبار اصطدامنا مع الفرنسيين أن انتشرت بين عشائر الأردن فجاءت وفود عديدة لتهنئتنا و السلام علينا، غير أن بعضهم لم يُخفِ عنا قلقه من مؤامرة إنكليزية-فرنسية قد تُدبر ضدنا للتخلص منا و إخماد ثورتنا، و لما تداولنا بهذا الموضوع مع الأمير عادل أرسلان و رشيد طليع و حديثه الخريشا و غيرهم من أحرار العرب في الأردن، أشاروا علينا بالتزام الهدوء و عدم القيام بغارات أخرى على الفرنسيين في الجبل، لأنهم على وفاق تام مع الإنكليز في كل ما يتعلق بنظام الانتداب، و بشؤون الأمن على الحدود خاصة، حتى أنني سمعت من عطيوي المجالي و مثقال الفايز و حديثة الخريشا أن الأمير عبد الله كان يتصل بهم و بغيرهم من شيوخ القبائل و يحثهم على طلب الإستقلال الناجز و يقول لهم بمرارة: ( إنني لا أستطيع مقاومة الإنكليز إلا بكم، و قد نكثوا، كما تعلمون، بالعهود التي قطعوها لوالدي، و إنني أخشى على نفسي من غدرهم...) و إن أقواله هذه كانت تصل إلى الإنكليز، فيتشددون في مراقبته، و يتدخلون في شؤون الحكم بإمارته، و يعملون على إبعاد المخلصين عنه، و التضييق على أحرار العرب الذين لجأوا إلى بلاده.

و يبدو مع ذلك، أنه كان لغارتنا الاخيرة أثر كبير في الأوساط الفرنسية العليا بدمشق و بيروت، أدت إلى فتح الباب على مصراعيه لمساعي صلح جديدة قام بها، في مطلع العام 1923 عدد كبير من أعيان الجبل و شيوخه، و في مقدمتهم: فارس ابراهيم الأطرش، و اسماعيل الحجلي، و فواز عزالدين، و قد تم الإتفاق بينهم و بين الأوساط المذكورة، عن طريق السلطة الفرنسية في الجبل، على عودتنا في الخامس من نيسان 1923 أي في يوم الاحتفال بعيد الاستقلال بعد أن ألغي الحكم الصادر علينا بالإعدام. لم يكن بوسعنا أن نرفض العودة، لأننا بتنا مهددين من على جانبي الحدود بقوات الدولتين المنتدبتين.. و بالإضافة إلى أننا لمسنا الرغبة في ذلك أيضاً من الشخصيات السياسية المشار إليها في الأردن، فتوجهنا إلى الجبل ووصلنا إلى مشارف مدينة السويداء صباح اليوم المحدد، و مكثنا في مقام (عين الزمان) فترة لنرتاح قليلاً من عناء السفر المتواصل.. و إذ بخبر وصولنا إلى هذا المكان ينتشر بين الجماهير المحتشدة في (الميدان) فتهرع لاستقبالنا مشاةً و فرساناً، دون أن يبقى إلى جانب رجال السلطة في مكان الاحتفال بالعيد سوى العدد القليل، مما أغضب المستشار (ترانكا) و جعله يرسل من يقول لنا بأنه لا يوافق على دخول بعض رفاقنا، أمثال: حمد البربور، و شكيب وهاب..فأجبته قائلاً:

إننا لم نقبل العودة إلى ديارنا كي نتخلى بسهولة عن هؤلاء الرفاق!..

هممت بالرجوع، فلم استطع شق الطريق، و أنا على ظهر فرسي، بين الجموع المحتشدة الصاخبة، و سرعان ما انفرجت الأزمة بموافقة السلطة على دخولنا جميعاً، و عندئذ رحنا ننتظر وصول رفاقنا المذكورين الذين كانوا قد انسحبوا، فعادوا من قرية رساس، و دخلنا و إياهم إلى مكان الاحتفال، وسط الأهازيج الشعبية و زغردة النساء... ثم ترجلنا و صافحنا مستقبلينا و في مقدمتهم الكومندان (ترانكا) و كبار الموظفين و النواب، و شيوخ الدين و الأعيان.

*وهو أحد أحرار العرب، من مدينة حمص، لجأ إلى الجبل في عهد جمال باشا(السفاح) و بقي فيه مدة طويلة يعمل بالتجارة مع يوسف الشومري.

** حدثنا محمد البربور، قال: (كانت المعركة عنيفة جداً، و كان رصاص العدو ينزل علينا كالمطر المنهمر، و في غفلة منا ركب سلطان فرسه الصفراء، و هجم على الجنود شاهراً سيفه، فردهم عن البقر و ساقه نحونا دون أن يصاب بأذى هو و فرسه! وقد كان انتصارنا عليهم فريداً من نوعه، تسعة رجال يفتكون بقوة يزيد عددها على مائة جندي و يشتتونها، فتهرب تاركةً قتلاها و جرحاها في الميدان و تتخلى عن الأبقار و بعض البغال!..).

يتتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور بني معروف
مشرفة
مشرفة


انثى عدد الرسائل : 8935
المزاج : الاتكال عالله
الدين أو المذهب : ما هو دينك أو مذهبك
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 39
نقاط : 159752
تاريخ التسجيل : 13/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   الخميس يونيو 30, 2011 1:56 pm

حقائق من مذكرات الباشا الثورة العربية في جبل العرب "

في مطلع هذا القرن بدأ تفتح الوعي العربي السياسي، يتمثل على أرض الواقع، فتشكلت الجمعيات القومية التي تدعو للتحرر من الاستعمار التركي الثقيل، الذي جثم على صدر الأمة العربية أكثر من أربعة قرون، ذاق الشعب خلالها الويلات من المؤامرات الدنيئة, والفتن الطائفية, والمعارك الدموية والحروب المحلية, التي أنهكت البلاد والعباد، وما كادت تلوح أخبار الثورة العربية في الأفق سنة 1916, حتى اقبل عليها الوطنيون وهلل لها الأحرار في كل بقعة من بقاع الوطن العربي الكبير, آملين تحررهم وإنقاذهم وتوحيدهم في امة عربية واحدة, تتابع مسيرة الأسلاف في خدمة الحضارة والإنسانية. ولمَا أطلَ شبح المجاعة الرهيب على سورية و لبنان، أثناء الحرب العالمية الأولى ، فتح الموسرون من أبناء الجبل و حتى الفقراء ،بيوتهم و مضافاتهم ،فنادق ومطاعم مجانية للجياع ،ومختلف اللاجئين إلى الجبل ،من سورية و لبنان و سائر الأقطار العربية ،على اختلاف مذاهبهم و بلدانهم. فكان البرغل و اللحم والسمن يطبخ ويوزع مع الخبز مجاناً على اللاجئين و المحتاجين و يذكر المؤرخون أن عدد اللاجئين إلى الجبل في تلك الأيام زاد على خمسين ألف نسمة. وقد أضحت قرى الجبل ملجأًًًًًً أميناً لعدد كبير من أحرار العرب ومنطلقاً لنشاطهم المناهض للحكم العثماني الجائر. فهذا سلطان الرشيد يلجأ لآل زهر الدين في الصّورة ثم إلى إمتان و لعريسي لآل المغوش في خلخلة ونسيب البكري الذي حل ضيفاً على حمد البربور في أم الرّمان وقد كان من العار على الناس بيع الخبز والطعام بالدراهم وهذه بعض قصائدهم في هذا الموضوع ومعكم الأتراك الجائر:

يا بياعين الخبز بقـــــــــروش ... تبقوا نور ما لكم تـــــــالي
من طبتي فضت أني المنكوش ... والرفش يلحق على التالي
يا ويلي من حكم أبو طربـوش ... حكم بنا والحكم طــــــــالي
لهيا هنّو من بني خربــــــوش ... بمعلقات قفى ســـــــــــالي

كان السيد نسيب البكري قد نقل إلى الجبل قرار الشريف حسين بإعلان الثورة العربية ضدّ الأتراك ورغبة الأمير فيصل بالتعاون مع أبناء الجبل خاصّة وقد كان الكثير منهم أعضاء في الجمعيّات العربية الوطنيّة التي زاد نشاطها عندئذٍ في البلاد العربية وحتّى في العاصمة العثمانية (( الآستانة )) لمقاومة التتريك و الاستعمار التركي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور بني معروف
مشرفة
مشرفة


انثى عدد الرسائل : 8935
المزاج : الاتكال عالله
الدين أو المذهب : ما هو دينك أو مذهبك
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 39
نقاط : 159752
تاريخ التسجيل : 13/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   الخميس يونيو 30, 2011 1:58 pm

(توثيق): يقول سلطان باشا الأطرش في مذكراته (ح3): وما أن انقضت أشهر الشتاء البارد من سنة 1917 وأطلّ علينا الربيع بطقسه الجميل حتّى قررنا الجَهر بالثورة وجعل بلدتنا القريّا مقراً لها في الجبل ثم احتفلنا بحضور نفر من أحرار العرب برفع العلم العربي فوق دارنا، وباشرنا بتسيير الملة الكبيرة التي كنّا قد أعددناها من قبل لتلتحق بالجيش الفيصلي في العقبة. حوالي ثلاثمائة خيال وهجان على رأسها من أعيان الجبل: حمد البربور، معذى المغوش، أسد الأطرش و عبد الله العبد الله (ح3). وقد توجه الفرسان نحو العقبة يترنمون بأهزوجة معذى المغوش الآتية:

يا ميرما ودها سكـــــــوت لازم تزور بلادنـــــــــــا
لابد عَ حلق نفـــــــــــــوت وتشوف عج طرادنـــــا
عيال الجبل أحرار ثبـــوت يفني العدا ملكادنـــــــــا
من مصر لساحل بيــــروت لنجد لبغدادنــــــــــــــــا
من أجلها نحيا و نمــــــوت ونحمي حمى أجدادنـــا
رجال العرب ياهل البخوت بالسيف نحمي لأمجادنا

(توثيق): في أواخر كانون الأول سنة 1917 تلقى سلطان باشا الأطرش كتاباً من نسيب البكري جاء فيه: "إن الجيش الحجازي طهر مكة المكرمة من الأتراك، وجيش الخلفاء المنضم إليه الجيش العربي قد افتتح بئر السبع عن طريق غزه في 21 اكتوبر سنة 1917 ويافا في 16 نوفمبر والقدس في 9 ديسمبر. وقريباً سندخل جبلكم المنيع بواسطتكم الله ينصر العرب".
استمرت أخبار انتصارات الجيش العربي تصل إلى الجبل تباعاً عن طريق نسيب البكري حتى عاد هذا إلى الجبل مع بعض المرافقين مندوباً مفوضاً من قبل الأمير فيصل وافتتح مقراً للنشاط بدار حمد البربور في أم الرمان وقد رفع على المقر علم الثورة العربية. وقد حمل بياناً من قيادة الجيش الفيصلي هذا نصه:
(توثيق): إلى أهالي جبل الموحدون و حوران المحترمين ... بما أننا قد انتدبنا السيد نسيب بيك البكري إلى جهاتكم بالوكالة عنا بينما نحضر بذاتنا أو يحضر أخونا الأمير زيد لجهتكم فيجب و الحالة هذه إجراء جميع التسهيلات المقضية التي اعتدنا أن نراها من أمثالكم الموصوفين بالغيرة العربية والخمسة و الشهامة العدنانية بطرد أعدائنا وأعداء وطننا ... الذين إذا لم نتحد على طردهم من ديارنا فإنهم لم يبقوا منا فرداً. وإننا بعونه تعالى سنأتيكم قريباً بجيوشنا ومعداتنا هدانا الله و إياكم سواء سبيل.
تحريراً في 18 جمادى الآخر سنة 1336 هـ الموافق في 28 مارس آذار سنة 1918 م قائد الجيوش الشمالية ابن ملك العرب فيصل بن الحسين، مذكرات حلقة 3 ( م ح 3 ).

وقد نظم السيد برجس المغوش في ذكرى الثورة العربية سنة 1916 الأهزوجة التالية:

طاب الموت يا عرب (1) فيصل الأول قالهــــــــــا
يوم الجرح لحق القتب (2) والظلم زاد هوالهــــــا
صاح اشعلوا نار الحرب فوق القمم و جبالهــــــــا
نحرر بها بلاد العـــــرب و نجمع شباب رجالهـــــا
سلطان أول من وثــــــب تّحدّ و أني خيالهـــــــــــا
وحمد سن سيوف الحرب ينتخي وهو شيالهـــــــا
معذى حداها بالعـقـب(4) يا فيصل شد رحالهــــــا
الشام ميعاد الركــــــب نعدل حمول ثقالهـــــــــــــا
قول وفعل سوق الحرب بني معروف أبطالهــــــــا
تركيا ولت بالغصــــــب وفرنسا يعلن فالهـــــــــــا
واليوم عاد (أبولهب) يغزل على مثوالهــــــــــــــا
يغتال حرية الشعب و يبتز قوت عيالهـــــــــــــــــا
ويتآمروا شرق وغرب و يتقاسموا بترولهــــــــــا
ويضحك على عبي القصب ويسلب غزير أموالهـا
القدس أعياها الغضب تندب مصير أطفالهـــــــــــا
يا حيف عَ أمجاد العرب ضاعة عيد أنذالهـــــــــــا

(1) طاب الموت يا عرب إشارة لعبارة فيصل التي اطلقها عندما اعلن الحرب على الاتراك.
(2) القتب: شداد البعير من الخشب او الحديد.
(3) لحد: عبارة نخوة.
(4) حداها بالعقب: غناها بالعقبة.
(5) معذى المغوش: معذى الذي غنى القصيدة.
(6) ابو لهب: ريغن وشركاه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور بني معروف
مشرفة
مشرفة


انثى عدد الرسائل : 8935
المزاج : الاتكال عالله
الدين أو المذهب : ما هو دينك أو مذهبك
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 39
نقاط : 159752
تاريخ التسجيل : 13/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   الخميس يونيو 30, 2011 2:00 pm

(توثيق): قبل وصول الجيش الفيصلي إلى درعا كانت الحالة في الجبل قد وصلت إلى شفير الحرب الأهلية بسبب نشاط الأتراك المستمر في مختلف المناطق والنواحي وبذلهم الأموال الطائلة ونشر الدعاية ضد الثورة العربية. وقد وصلت إلى سلطان باشا الأطرش من سليم الأطرش زعيم الجبل الرسالة التالية:
" لجناب قائد الجيش الموحد دولتو سلطان باشا المعظم: بعد السلام عليكم، اطلعت على تحريركم المرسل منكم إلى أهل (أم الرمان) و (الغارية) و (عنز) و (حوط) و (المغيّر) و(بكّا) ، تطلبوهم كي يوافوكم إلى بصرى أسكي شام، لأجل تتوجهوا عند الشريف لأجل انتقامكم من الدولة العثمانية الأبدية القرار إن شاء الله. أيها القائد العظيم: أسلافنا عند اختلاف الدولة و أهل الشمال انقسمت الدروز قسمين: قسم مع الدولة و قسم مع أهل الشمال. لا تحوجنا نقسم الدروز قسمين، بل اهجعوا و ارجعوا عن طغيكم وبغيكم للناس. ثانياً: نستغني عنكم ونحسب أن سلطان ما كان. ثالثاً: لا تسبحوا على شبر من الماء. رابعاً: تخبروا الناس وتفشوهم أن نابلس لحد الناصرة سقطت مع ثلاثين ألف عسكري يسرا "أسرى" ولا نعلم أن عندكم تلفون بلا سلك لحتى فهمتوا الحقيقة تطغوا جهلاء الموحدون بالاشتراك مع جيش علبة العطارة جيش الشريف. ونحن ليس غشاشين ولا هو كار أسلافنا الغش للطائفة مثل منهجكم ينغشوا في المال ويضيعوا إحساسهم وإحساسات الطائفة (م) في 17 ذي الحجة سنة 1736 هـ) كاتبه : سليم الأطرش.

يلاحظ في هذا الكتاب النفسية المستعلية على أبناء الجبل وحتى أبناء العائلة وكان زعيم الجبل له الحق بالطرد من الجبل ومن العائلة وحتى القضاء على المعارضين لرأيه.

وقد أجاب سلطان باشا الأطرش في 19 ذي الحجة سنة 1336 هـ بالكتاب التالي: (( لجناب معالي قائد الجيش التركي سليم باشا الأطرش الأفخم: بعد السلام عليكم، أبدي أني اطلعت اليوم على رسالتكم الوهمية التي لقنت عليكم من صُنّاع الترك. وكنت أريد أن أجيبكم على كل حرف فيها، غير أن وقتنا الثمين لا يسمح لنا و خاصة على ذكركم الدولة التركية البائدة ووصفكم إياها بأسماء وصفات هي لا تقبلها على نفسها لأنها تقر بقصر باعها وعجزها وكفاها ذلك باستنادها عليكم. فيا حضرة ابن العم المحترم، لسنا المغشوشين لأننا لم نطعم من مأكل ( دماسكوس بالاس) ولا دخلنا (جنينة البلدية بالشام). ولا قابلنا تركيا قاتلة آباءنا وهاتكة عرض بلادنا. اقرأ أشعار جدك شبلي رجل الدروز الذي هو اليوم يناديك من أعماق قبره وينهيك لعدم طاعتك تعليماته التي يتسلح فيها العدو قبل الصديق يأخذ احتياطه من خيانة الترك الظالمين. ونحن أعلنا الحرب المقدسة على بواقي جيوش الترك الجائعة. وننصحك أن تعود إلى جادة الصواب لئلا بعد قليل تندم حيث لا ينفع الندم. وعليه باسم عائلتنا الكريمة التي لا أريد أن أخرج من صف رجالها كما تريد أنت. أنصحك أن ترعوي وتعود إلى صوابك لئلا تصبح محروماً من أن تكون طرشا نياً ... ! أما جيش علبة العطارة فهو جيشك الفار ونحن إن شاء الله سنكون خير خلف لخير سلف و سنحافظ على شرف الموحدون و مستقبلهم ولا نجعلهم يداسون كما تريد أن تضعهم أنت تحت أقدام أسقط وأوحش دولة في العالم ودمتم.
في 19 ذي الحجة سنة 1336 هـ ، ابن عمكم سلطان الأطرش.

يلاحظ في هذه الرسالة نفسية الثائر المصمم على تحرير الوطن وقد وردت الرسالتان بمذكرات سلطان الأطرش الحلقة الرابعة كما وردت بكتاب ذوقان قرقوط.

تطور الحركة الوطنية في سورية ص 265
(توثيق): يضيف سلطان باشا الأطرش بمذكراته بعد هاتين الرسالتين: سرعان ما وصلتني رسالة الفرج من الأمير فيصل يقول فيها: " أخي سلطان ... الملتقى درعا غداً !! ".

بناءً على هذه الرسالة جرت الاتصالات والمفازيع إلى القرى الموالية للثورة وما هي إلا ساعات حتى كان عج الخيل وأهازيج الفرسان والبيارق تموج خفاقة ومع الجوفيات الحماسية مثل:

يا الله يا معبودنا يا حاكم ع القبايل
يا الله يا معبودنا ترشد مان يقودنا ع العز بين الحمايل
ترشد مان يقودنا والشور لكبارنا
والفعل لزغارنا بالكون ربو الهوايل
والفعل لزغارنا شديت لك جدعية
بالكور منسوبة جدعية تسبق هبوب الريح لو اجاها

بعد التداول بالرأي تقرر الاكتفاء بخمسمائة خيال ساروا خباً فوق الخيول المطهمة تتقدمهم راية الثورة العربية ذات الألوان الخمسة تخفق مع دقات القلوب التي تتوق لرفعها في سماء دمشق راية عربية أولى تبشر بالنصر والتحرير. وفي بصرى استسلمت الحامية التُُُركيَة دون مقاومة تذكر، واستولى الثوار على الأسلحة والذخائر ومستودعات الحبوب المصادرة من الأهالي، فأعيدت لأصحابها كما وزعت الحبوب والمواد التموينية على المعوزين وتابعت الحملة مسيرها إلى الشيخ مسكين دون المرور بدرعا التي احتلها الجيش الفيصلي. و هناك في الشيخ التقت عدة فصائل عربية منها: فريق من حملة الجبل السابقة إلى العقبة، وفريق من عشائر عنزي بقيادة نوري الشعلان طراد الملحم، ثم الحويطات بقيادة عودي أبو تايه. وقبائل بني صخر بقيادة مثقال الفايز حديث الخريشة، و الحورانيون بقيادة اسماعيل الترك الحريري، وقد تقدمت جميع هذه الفصائل بقيادة الشريف ناصر تطارد فلول القوات العثمانية والألمانية المتراجعة حتى توقفت قرب ....وة أمام خط دفاعي حصين وقوي أقامه الاتراك في تلول المانع، تساقطت منه قذائف المدفعية الثقيلة بغزارة ودون انقطاع على المطاردين، ففتحت في صفوفهم ثغرات واسعة أدت تشردهم وانسحاب أكثرهم. وفي المساء عرج فرسان الجبل على أقاربهم في الدير علي للمبيت ووضع الخطة المناسبة للتنفيذ في اليوم التالي "من مذكرات الباشا مذكرات ح4". وقد وصلهم كتاب بنفس الليلة من الأمير فيصل يطلب إليهم الزحف بسرعة لدخول دمشق قبل وصول الجيش البريطاني إليها.
(توثيق): يقول سلطان باشا الأطرش بمذكراته "ح4":
لقد قمنا بحركة التفاف حول مواقع الأتراك وتحصيناتهم ثم باغتناهم بهجوم صاعق عطل بطريات مدافعهم ونازلناهم بالسلاح الأبيض بالخنادق فقُتل من قُتل واستسلم الأحياء أسرى كان من بينهم ضابط كبير هو رضا باشا الركابي، أسره فرسان قرية الغارية. ولما عرفت هويته العربية أعدت إليه سلاحه و قدمت له جواداً رافقنا عليه مروراً بالحرجلة حتى دخلنا دمشق من جهة حي الميدان ووصلنا ساحة المرجة في 30 أيلول 1918 مع أهزوجة:

وسعوا المرجة ترى المرجة لنا
وسعوا المرجة تتلعب خــــــيلنا
عقبة المريخ شكينا العلــــــــــم
جينا نستشهد في سبيل بــلادنا

ثم تقدمت جموعنا ورفعنا فوق دار الحكومة العلم العربي الذي كان يرفرف في مقدمة حملتنا منذ خروجنا من جبل العرب. في حين انسحبت فلول الجيش التركي نحو الشمال لتخلي المدينة إلى غير رجعة. في اليوم التالي تولى الأمير سعيد الجزائري إدارة حكومة عربية مؤقتة من أعضائها (شكري الأيوبي) و (فارس الخوري) أخذت على عاتقها السهر على أمن المدينة ريثما يصل الأمير فيصل على رأس القوات العربية الرئيسة.

(توثيق): يقول منير الريس في الكتاب الذهبي ( ص 94 ): بعد الانسحاب و الانهيار في جبهة قتال فلسطين كانت أول قوة عربية دخلت دمشق بقيادة سلطان باشا الأطرش مؤلفة من محاربي جبل الموحدون سبقت الجيش العربي في دخوله المدينة. فأحتلت حي الميدان والجيش التركي على ضفة بردى ينسحب مشتتاً ومصطفى كمال قائده يقيم في فندق فكتوريا مقر قيادة الجيش التركي, على ضفة بردى مقابل دار الحكومة او دار الولاية, تحرسه قوة من جيش الصاعقة (بيلدرم اوردونسي) وعندما ارتفع العلم العربي ذو الالوان الخمسة على دار الحكومة نزل مصطفى كمال فوراً من الفندق وركب سيارته مغادراً دمشق مع حراسه بأتجاه الشمال, وكانت وراءه سرية اخرى من الصاعقة تنسف الجسور في طريقها لتعرقل تقدم جيش عدوه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور بني معروف
مشرفة
مشرفة


انثى عدد الرسائل : 8935
المزاج : الاتكال عالله
الدين أو المذهب : ما هو دينك أو مذهبك
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 39
نقاط : 159752
تاريخ التسجيل : 13/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   الخميس يونيو 30, 2011 2:01 pm

(توثيق): دخل الامير فيصل دمشق في 2 تشرين الاول 1918, واستقبل المهنئين بدار فخري البارودي الواقعة في حي القنوات, وما لبثت حكومة الجزائري ان استقالت وتشكلت حكومة جديدة برئاسة رضى الركابي نفسه الذي سمي بحاكم دمشق العسكري, وعين الامير عادل ارسلان معاوناً له ومستشاراَ للامير فيصل, كما عُين رشيد طليع مديراً للداخلية, وقد اعتذر سلطان باشا الاطرش عن قبول أي منصب حكومي بالرغم من الحاح الامير فيصل عليه بذلك ( مذكرات حلقة 4), بعد أيام قليلة جمع الأمير فيصل بديوانه في المهاجرين وجهاء الجبل المناوئين والمساهمين في الثورة, وبعد ان أبدي الأمير رغبته بإزالة آثار الخلافات تصافح الجميع وتعاهدوا على السير في خط واحد تحت راية الدولة العربية الناشئة. وقد عين الأمير سليم الأطرش حاكماً على الجبل, ونسيب الأطرش عضو في مجلس الشورى بدمشق.
أخذت بعد ذلك الأحزاب السياسية والجمعيات الوطنية تنشط في النوادي والمحاضرات والصحف داعية للوحدة الوطنية والحياة الاستقلالية الجديدة التي بدت كأنها تسير في مجراها الطبيعي.

من جهة ثانية بدى موقف فرنسا وانكلترا من القضية العربية يتكشف على حقيقته, وبدأت تظهر على الساحة أسرار معاهدة (سايكس بيكو), ويتوضح معها الخطر المحدق بالبلاد من جراء تقسيمها لمناطق نفوذ بين فرنسا وانكلترا.

(توثيق): في 20 اذار 1920, اعلن المؤتمر السوري استقلال سوريا بحدودها الطبيعية ومبايعة الأمير فيصل ملكاً عليها. يقول الدكتور الشهبندر ( المقالات ص 230) في 20 ايار 1920 تشكلت حكومة فيصلية على الشكل الاتي: هاشم بيك الاتاسي رئيساً - علاء بيك الدروبي للشورى - رضى بيك الصلح للداخلية - يوسف بيك العظمه للحربية - فارس بيك الخوري للمالية - ساطع بيك الحصري للمعارف - يوسف بيك الحكيم للتجارة والزراعة والاشغال العمومية - جلال بيك زهدي للعدلية - الدكتور الشهبند للخارجية.
استبشر المواطنون خيراً, وطفحت الافئدة بالامل خاصة عندما تسلمت القيادة في البلاد شخصيات وطنية مشهود لها بالاخلاص والجرأة والصلابة في مواجهة التحديات الفرنسية, مثل هاشم الاتاسي, فارس الخوري, عبد الرحمن الشهبندر وغيرهم... لكن كارثة ميسلون في 20 تموز 1920 جاءت بالضربة القاصمة التي ادت لانهيار الجبهة الوطنية, وبلبلت الاوضاع بالداخل. وقد كانت حملة سلطان باشا الاطرش بدعم الجيش الوطني في ميسلون قد وصلت إلى بلدة السجن شمال غرب السويداء, عندما وصلتها انباء دخول الجيش الفرنسي إلى دمشق وانسحاب الملك فيصل وحاشيته بأتجاه درعا, فأرسل سلطان باشا وفداً من حمد البربور وصياح الاطرش وعبدالله العبدالله, للإتصال به, ودعوته إلى الجبل لدراسة الموقف معه ومتابعة الكفاح ضد الفرنسين, وقد حاول الوفد اللحاق به حتى فلسطين, فلم يتمكن من مقاباته, حيث سافر إلى اوربا وعاد الوفد دون ان ينجح بمهمته.
( من مذكرات سلطان باشا ح 4 ) عند وصول الملك فيصل إلى درعا حصلت حوادث شغب عنيفة, حيث التفت حوله الجماهير واسقبلته بحرارة وحماس مما اغضب الفرنسين, فأرسلوا على جناح السرعة بعض اعضاء الحكومة بالقطار لتهدئة الوضع. وقد هاجمت الوفود المحتشدة القطار بمحطة خربة غزالة, فقتلت علاء الدين الدروبي رئيس الوزراء, والوزير عبدالرحمن اليوسف, ونجا الوزير عطا الايوبي. وكلهم من الوزارة التي شكلها الفرنسيون بعد دخولهم إلى دمشق لذلك ارسلت فرنسا جيشاً كبيراً, اشتبك معه الحورانيون بعدة معارك دامية كبيرة, كبدوه فيها خسائر فادحة في الارواح والعتاد, خاصة في المعركة الكبيرة التي وقعت قرب (نبع الكتيبة), حتى تغلب الجيش عليهم اخيراً بالكثرة والاسلحة الحديثة الفتاكة, فخضعوا مكرهين يترقبون الفرصة السانحة للانقضاض والثأر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
دموع الورد
مـــوحــد/ة
مـــوحــد/ة


انثى عدد الرسائل : 42
العمر : 23
الدين أو المذهب : موحده
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 10
نقاط : 99594
تاريخ التسجيل : 28/06/2011

بطاقة الشخصية
علاء:
40/40  (40/40)

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   الخميس يونيو 30, 2011 2:14 pm

الزعيم في غنى عن التعريف قائد عظيم نعتز ونفتخر به
رحمه الله واسكنه فسيح جنانه

موضوع رائع ومميز يسلمووووو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فجر
مشرف
مشرف


ذكر عدد الرسائل : 1950
الموقع : قمم الريان
العمل/الترفيه : مجال المطاعم
المزاج : مرووووووق
الأوسمة :
الدين أو المذهب : درزي للعظم
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 25
نقاط : 120298
تاريخ التسجيل : 22/06/2010

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   الخميس يونيو 30, 2011 8:08 pm

هو منارة لنا
هو فخرنا
هو رمزنا
مشكورة
تقبلي مروري
ننتظر المزيد
صديقان نحن الى ان ينام القمر
دمشق 1-7-2011م
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور بني معروف
مشرفة
مشرفة


انثى عدد الرسائل : 8935
المزاج : الاتكال عالله
الدين أو المذهب : ما هو دينك أو مذهبك
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 39
نقاط : 159752
تاريخ التسجيل : 13/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   الجمعة يوليو 01, 2011 6:45 am

من مذكرات سلطان باشا الأطرش في وادي السرحان

عندما طلبت بريطانيا المسيطرة على الأردن ترحيلنا منها , قلنا أننا مستعدون أن نلبي رغبتكم , شريطة إعطائنا مهلة كافية نتمكن خلالها من إتمام عملية نقل نسائنا وأطفالنا ومواشينا إلى مكان آخر مناسب
جاء جواب المعتمد البريطاني بالموافقة على طلبنا , ولكنه اقترح علينا مقابلته بالأزرق لبحث أمور هامة تتعلق بالموضوع نفسه , فانتقلنا من فورنا إلى الأزرق وجرت المقابلة نعي في جلسة دامت نحو ساعتين , حاول خلالها إقناعنا بضرورة إنهاء الثورة والتسليم للأمر الواقع دون قيد أو شرط , ومما عرضه علينا في نهاية الجلسة وضمن لنا تحقيقه دون أبطأ قوله ( أن حكومة صاحبة الجلالة البريطانية تتكفل بتقديم قصر خاص لإقامتكم في مدينة القدس وراتب كبير يضمن لكم العيش ألهني والسعادة مدى الحياة ) فأجبته وقلت له :أن سعادتنا باستقلال بلادنا وحرية شعبنا وكان العيش في القصور غايتنا لكنا بقينا في دورنا الرحبة واستجبنا لدعوة الفرنسيين المتكررة بالاستسلام
أن طلبكم هذا فيه مساس بكرامتنا فلا نرضى إطلاقا أن تكون المفاوضة معكم أو مع حلفائكم الفرنسيين إلا على أساس صلح مشرف تتحقق به المبادئ التي قامت ثورتنا عليها ومن اجلها وتتلخص بحرية الشعب واستقلال البلاد ووحدتها وجلاء القوات الأجنبية عنها
وفي أعقاب المقابلة اتصلت بأعضاء مكتبنا الدائم وشرحت لهم ما آلت أليه أخيرا أوضاعنا بالأردن فاتصلوا بدورهم ببعض الشخصيات العربية في القدس والقاهرة وتم الاتفاق معهم على انتداب السيد شكري القوتلي للذهاب في الحال إلى المملكة العربية السعودية من اجل التفاوض مع جلالة الملك عبد العزيز آل سعود لقبولنا في بلاده لاجئين سياسيين
اعتذر الملك بادئ ذي بدء عن قبول الطلب لكنه عاد فأعلن موافقته أرسل إلينا برقية جاء فيها :
قائد الثورة السورية سلطان باشا الأطرش اقبلوا على الرحب والسعة –عبد العزيز-
كانت مشاهد رحيل الثوار وعائلاتهم من الأزرق في صيف 1927 مثيرة لاعمق المشاعر الإنسانية ... وقد ارتضوا بأباء وشمم أن يفارقوا الديار التي كانوا يستأنسون بسكانها قريبا من الأهل والأحبة في ربوع الجبل فسارت قوافلهم المؤلفة من نحو اكثر من آلف نسمة باتجاه العمري جنوبا , بعد وداعهم الأليم لذويهم ورفاقهم في الجهاد . الذين قرروا العودة إلى الجبل اثر صدور قرار المفوض السامي (بونسو) بالعفو عنهم وعددهم نحو ثلاثة آلاف نسمة
وعندما نزلنا في العمري وعلم الإنكليز أن المملكة العربية السعودية قد وافقت على إقامتنا في ربوعها أرسلوا إلينا وفدا برئاسة الكولونيل (سترا فورد) للتفاوض معنا من اجل عودتنا إلى الأزرق , فرفضنا عرضهم هذا وقلنا لرئيس وفدهم :لم تعد لنا رغبة في العودة لأنكم لا تحترمون العهود وسوف نقيم بالصحراء التي خرج منها أجدادنا . وسنجد فيها بالإضافة إلى كرم الضيافة مجالا رحبا للتمتع بحريتنا الكاملة التي افتقدناها منذ أن انتدبتكم عصبة الأمم علينا وصيرتم الانتداب استعمارا قائما على البطش والإذلال وابتزاز خيرات الوطن
مكثنا في العمري فترة قصيرة ثم انتقلنا إلى غدير الحصيدات(يقع على بعد 20 كيلو مترا عن النبك بوادي السرحان)حيث بتنا ليلة واحدة وفي اليوم التالي توجهنا إلى ( النبك ) بوادي السرحان وبرفقتنا من مجاهدي الجبل وكان عددهم 232 مجاهدا + 70 مجاهدا من لبنان والمجموع كان 302 مجاهد مع اسرهم وكان المجموع 1360 نفسا
ومن مجاهدي لبنان والإقليم الذين ارتحلوا معنا كان على رأسهم الأمير عادل ارسلان
وصلنا إلى النبك بوادي السرحان في أواخر شهر تموز عام 1927 وجدنا الأرض صحراوية مقفرة . ما خلا نبع ماء عذب يسمى (جوخه ) وبضع من أشجار النخيل تضفي على المنطقة جمالا طبيعيا أخاذا تبعث بالنفس _بتمردها على الجفاف المسيطر _ من إرادة المقاومة وعزيمة الصمود
كان نزولي في الجهة الشرقية من المكان حيث جاورني أقربائي وفريق من المجاهدين ونزل في الجهة الغربية منه رفاقنا الآخرون بينهم الأمير عادل ارسلان محمد عز الدين علي عبيد قاسم أبو خير وعلي الملحم ... والمسافة الفاصلة بين الحيين لا تزيد عن ثلاثمائة متر
لقد آوينا أنفسنا في الخيام القليلة التي كانت بحوزتنا ثم اضطر الكثيرون منا إلى استخدام قطع (اللبن) الذي صنعوه من التراب لبناء مساكنهم البدائية الصغيرة واستيراد خشب الحور والقصب بأسعار باهضة من عمان لسقفها
كان علينا أن نتآلف مع المناخ الصحراوي في حياتنا اليومية , وان تعيش متاعب البادية وشقاؤها , إلى جانب المتعة بصفائها وراحة الهدوء في آفاقها الواسعة واكثر ما كنا نعاني منه في الفصول الانتقالية 0الربيع والخريف ) رياح السموم الهوجاء التي تهب عادة من الشرق والجنوب الشرقي فتبدل من معالم الأرض وتغدو الرؤية خلالها مستحيلة , ثم تكاد عملية التنفس تتعطل لدى الإنسان والحيوان على حد سواء بفعل الأتربة والرمال المتط...ة في الفضاء والتي كانت تكتسح خيامنا وتسد منافذ بيوتنا في بعض الاحيان . استطاع بعضنا استخراج الماء بالحفر في الرمل على عمق بضعة أمتار لارواء الخيل والماشية , واحتطبنا من نباتات ( الرّتم ) لمواجه برد الليالي وكنا نقتات بورق ( الطرقة ) و(القطف ) وثمر (الاصمع) وكل هذا عندما يضعف المدد ويتأخر التموين
أما الأغنام التي كان أطفالنا بحاجة ماسة إلى لبنها فكانت لا تجد أمامها سوى الحمض والشيح وبعض الأعشاب الهزيلة في فصل الربيع , تشاركها في رعيه الخيول والإبل التي لم يبقى في حوزتنا سوى العدد القليل منها
وبعد أن مضى على إقامتنا حوالي الستة شهور في وادي السرحان عوملنا خلالها من قبل ممثلي السلطة السعودية وبعض عشائر المنطقة معاملة طيبة ولقينا من حفاوة استقبالهم وكرم أخلاقهم ما لا يمكن نسيانه مدى الأيام
قدم لنا الأمير سليمان الشنيفي مندوبا من العاهل السعودي فرحبنا واكمنا وفادته ثم فاجأنا بقوله : ( امرنا جلالة الملك بجمع السلاح منكم يا سلطان والمهلة التي نعطيكم إياها لجمعه وتسليمه ثلاثة أيام ) فأجبته قائلا :سلاحنا شرفنا أيها الأمير فهل من المعقول أن نسلم به ونحن نعيش مع عيالنا هذه الضروف القاسية والأحوال السيئة في هذه الأرض الموحشة المنقطعة )
قال أنني مأمور بهذه المهمة يا سلطان مهما كانت الظروف والأحوال ) وعندئذ قلت له بحزم وتصميم :
لننسلم سلاحنا ما دام فينا عرق ينبض ...لقد كنا نتوقع من جلالة الملك عبد العزيز ومن أعضاء حكومته ومستشاريه أن يمدونا بالمال والعتاد لنعود إلى بلادنا ونستأنف الجهاد ضد الفرنسيين . لا أن يأمروا بتجريدنا من السلاح ليميتوا في نفوسنا النخوة ويضعفوا روح الكفاح ويعرضوننا با لتالي لخطر الغزوات البدوية المألوفة في هذه الأرض القفراء
وبعد أن تكونت لديه بعض القناعة بوجهة نظرنا رفع امرنا إلى رؤسائه فجاءت التعليمات أليه بالاتفاق معنا على ما يلي
1- يحتفظ المجاهدون بسلاحهم ويحق نقله ضمن المنطقة دون معارضة
2- تتعهد قيادة الثورة بعدم القيام بأي نشاط يخل بالأمن أو يخالف الأنظمة والقوانين المعمول بها في المملكة
3- وفيما كنا نعمل على إقامة علاقات حسن جوار مع العشائر بالمنطقة حاول شبيب بن كعير شيخ عشيرة السرحان أن يستغل ضروفنا الراهنة فرفض تأدية الحق الذي كان لآل عطالله عليه قبل نشوب الثورة وكنا نحن كفلاء عقد راية الصلح الذي تم وقتذاك بين الفريقين بل حاول أن يتحدانا بقوله (إذا كنتم تعتقدون أنكم تستطيعون أن تتصرفوا هنا في وادي السرحان كما لو كنتم في الجبل فذلك خطأ فادح ووهم كبير يجب أن تتبينوه..) فاضطررنا بعد أن رفض نصح الناصحين إلى احتجاز فرسه ووضع القيد في رجليه إلى أن اعترف بالحق ودفعه إلى صاحبه وهو ثمن بعير (جمل)
لقد كنا نشعر باستمرار أن العراقيل توضع في طريق تمويننا والخطر يتهدد وجودنا في كل لحظة من قبل العشائر المجاورة فذات يوم أوقف علي عبيد في عمان بأمر من القائد البريطاني (غلوب باشا) وكان مكلفا بشراء لوازم الثوار وإعاشتهم . ولم يطلق سراحه إلا بعد بضعة أيام
غير أن إخوانا لنا في الوطن والمهجر لم ينسوننا أثناء تلك الضائقة الشديدة التي مرت بنا بل كانوا يتحملون المشاق في جمع الإعانات لحسابنا وإيصالها إلى مضاربنا بالإضافة إلى مواجهتهم للمؤامرات التي كانت تستهدف التضييق علينا وتهيئة أسباب تسليمنا للفرنسيين
ولكن مع اهتمامهم الشديد بنا وزيارة العديد منهم لنا . فقد كان شبح المجاعة يطل علينا بين حين واخر فنضطر إلى التهام ورق النبات ريثما تصل الإعاشة إلينا من عمان وبعض المدن الأخرى
وفيما كنا نواجه أمثال الأزمة الحادة وإذا بالسادة شكري القوتلي والحاج عثمان الشر بتلي والحاج أديب خير وعادل العظمة يصلون إلى منازلنا ويقدمون إلينا من الإعانات المجموعة باسم الثورة (صره) من الليرات الذهبية فلم يتمالك المير عادل ارسلان نفسه من شدة الانفعال فتناول قبضة منها ونثرها بحده أمامهم وخاطبهم قائلا : أن الذهب كله لا يتساوى مع رغيفا واحدا ينقذ حياة الذين يتضورون جوعا منذ أياما وخصوصا النسوة المرضعات والأطفال أرجعوه معكم لأننا لسنا بحاجة أليه في هذه الصحراء ) وعلى الرغم من أن أولئك الأخوان لم يكونوا على علم بأننا وصلنا في تلك الدرجة من العوز والفقه فقد تأثروا غاية التأثر وطيبو خاطر الأمير وقرروا أن يبقى السيد القوتلي عندنا لنتباحث في إيجاد حل لمثل هذه الأزمة المعيشية التي كنا نعاني منها.
في حين عاد العظمة والشر باتي وأديب خير من فورهم إلى عمان ليرجعوا في اليوم التالي ومعهم عدة سيارات مليئة بأكياس الطحين والمواد الغذائية الأخرى التي وزعت بالتساوي على اسر المجاهدين وذلك بالإضافة إلى مقادير العلف للماشية والدواب
لقد كانت أخبار ما يجري في سوريا ترد إلينا تباعا في الصحف أو عن طريق من كان يزورنا ويتفقد أحوالنا من الأخوان فمن تلك الأخبار قيام الكتلة الوطنية على أنقاض حزب الشعب والاستقلال اللذين كانا اكثر أعضائها خارج الوطن يوم ذاك وقد انتمى إليها بعض المستقلين
وموافقة المفوض السامي (بونسو) على انتخاب جمعية تاسيسية تضع دستورا للبلاد فتراجع بذلك عن شروط المفوضية السابقة التي كانت تقضي باستلام الثوار قبل البحث بهذه الأمور وقد فاز مرشحو الكتلة الوطنية بأكثرية مقاعد الجمعية في الانتخابات ثم حصلوا على أغلبية ساحقة عندما تشكلت لجنة وضع الدستور
ولكن ما أن انتهت هذه اللجنة من وضع مشروع الدستور وتقرر موعد عرضه على الهيئة العامة للجمعية في 7 آب 1928 حتى تدخل المفوض السامي وطلب حذف ست مواد منه والتي لها أهميتها البالغة في تأكيد وحدة البلاد واستقلالها
ولما رفضت الجمعية طلبه في الجلسة المنعقدة بتاريخ 10 آب 1928 اصدر قرارا بتأجيل جلساتها لمدة ثلاثة اشهر ثم انتهى به الأمر إلى تعطيلها إلى اجل غير مسمى
فذلك ما آثار اهتمامنا وجعلنا نوجه دعوة إلى المجاهدين المقيمين في مصر والأردن لحظور المؤتمر الوطني الذي قررنا عقده بوادي السرحان في 25 تشرين الأول عام 1928 حضره معنا عدد كبير من المجاهدين الذين قدموا من الأردن وفلسطين وخاطبهم في كلمة الافتتاح قائلا (وليعلم المستعمرون أن المناورات والمؤتمرات لا تنفهم ولن تجديهم شيئا أن الشعب مصمم على الصمود وألوية النصر معقودة له بأذن الله في النهاية . وكلما ازداد الفرنسيون ظلما وطغيا في البلاد ازددنا نحن تمسكا بحقوقنا المشروعة العمل والصبر على مكاره التشرد والحرمان )
ومن الحوادث المروعة التي عشناها بوادي السرحان وكان لها اثر بالغ في نفوس الثوار الحادثة التالية :
خرجت مبكرا من منزلي صبيحة أحد أيام الربيع قاصدا التنزه في مكان مجاور تكثر فيه شجيرات (الرنم) والأنصع وإذا بإعرابي يقطع البادية على ذلول فلما رآني توجه نحوي وحيياني وقال : أريد سلطان قلت له (ماذا تبغى من سلطان تكلم وأنا أوصل أخبارك أليه ) قال أنا قاصد سلطان بالذات واحب أن أراه بعيني أكلمه بنفسي قلت له نكلم أنا سلطان ... فنزل عن ذلوله وصافحني بحرارة وقال مضى يومان وأنا في طريقي إليك لاعلمك أن فرحان بن مشهور (من شيوخ عنزة الرولا ) قد قرر غزوكم بستماية مردوفة (أي بألف ومائتي مقاتل يمتطون ستماية ناقة أو جمل ) وقد أرسلني (بشير بن ضبيعان) الشراري نذيرا كيلا لا يأخذكم الغزاة على حين غرة ولتكونوا على أهبة الاستعداد لمقابلتهم خارج منازلكم ...)هدأت من روعه وعدت به إلى البيت ليتناول معي طعام الفطور ثم قلت له : (سلم على بشير وقل له ابن مشهور لا يجرؤ على غزونا .. وإذا كابر وظل مصمما على ذلك فسوف لا ينال بغيته ولن يفرح بما سيأتي من اجله . وما أن غادر الإعرابي منزلنا حتى دعوت المجاهدين إلى اجتماع طارئ وكان عددهم يوم ذاك لا يتجاوز ثلاثمائة مسلح فأحطتهم علما بالأمر ورحنا نعد العدة لمقابلة فرحان بن مشهور .
لقد مرت بنا محن قاسية وخضنا معارك ضارية لم نشعر ونحن نواجهها بثقل أعبائها وجسامة مسؤولياتها كما بدا الأمر لنا ونحن نستجمع قوانا المادية والمعنوية لمواجهة تلك الغزوة الهمجية المفاجئة
اجل لقد هالنا الأمر وبتنا عاجزين تماما عن تعليل أسباب ذلك التدهور الأخلاقي المستمر في مجتمعنا العربي وكنا نتساءل : هل لفرحان بن مشهور وأشباهه علاقات مشبوهة مع دوائر الاستعمار الفرنسي العليا في الشرق فأغرتهم بنا ودفعتهم لغزونا . وبعد أن رفضنا عروضها بالاستسلام على أساس الاكتفاء باستقلال الجبل وتأكد لها إصرارنا على تحقيق مبادئ الثورة بكاملها , كنت أ ضن وأنا اقلب اوجه النظر في تلك المسائل مع بعض القادة ورفاق الجهاد أن حالة البؤس والعوز والفاقة التي أل أمر المجاهدين إليها في وادي السرحان بالإضافة إلى النقص الكبير في عدد الخيول الأصيلة ومخزون العتاد والذخيرة التي كنا نشكو منه وصعوبة تعويضه نظرا لضعف قدرتنا الشرائية بصورة عامة ... أن كل ذلك سيكون له أثره الفعال في مجرى المعركة فأخذت تنتابي الهواجس وأنا أتخيل النهاية المفجعة التي سننتهي إليها نحن وسائر أطفالنا ونسائنا في تلك الصحراء النائية وإذا ما قدر لنا أن نعجز عن صد أولئك الغزاة الشرسين
ومع ذلك فلم يتضاهر أحد منا بتلك المخاوف والظنون خلال الاجتماعات آلتي كنا نتدارس فيها مع بقية المجاهدين الخطط الدفاعية الكفيلة بدحر المعتدين
مكثنا بضعة أيام ونحن على تلك الحال من القلق الممض والتأهب المستمر وإذا بطلائع الغزاة قد بدأت تطل علينا من جهتي الجنوب والشرق مثيرة في سيرها الحثيث غبارا كثيفا حجب عن كمائننا الاستطلاعية الرؤية الواضحة
وما هي إلا دقائق معدودات حتى ضج المكان بأهازيج رجالنا الحربية ونخواتهم المثيرة التي كانت تسمع كقصف الرعد من بعيد وبصيحات نسائنا اللواتي خرجنا من المنازل وبعضهن يحمل السكاكين والخناجر بقصد اثارة الحماسة في نفوس المقاتلين حتى الأطفال الذين لم تتجاوز اعمارهم الرابعة عشر قد استنفروا وتهيأيو لقذف أنفسهم في أتون المعركة غير هيابين
أما أعيان المجاهدين وقادتهم فقد اخذ كل منهم يتوسط مجموعة مقاتلة لينقل إليها تعليماته الأخيرة المقررة التي يتوجب بعضها عدم التراجع قيد أنملة عن الموقع المخصص لكل منها ولو بقيت لوحدها في مواجه الغزاة ويقضي بعضها الآخر تنفيذ خطة هجومية صاعقة تقوم بها مجموعات ثلاث صغيرة من الخيالة لضرب ميمنة الغزاة وميسرتهم ومؤخرتهم في أن واحد عندما يحمي وطيس القتال كما سارع فريق مدرب من أبطال المجاهدين إلى مرا بض الرشاشات الثقيلة (الهوشكيس ) التي أقيمت في مواقع مناسبة على أمل أن يكون دورهم رئيسيا حاسما في تقرير مصير المعركة وفيما كنا نتخذ تلك الإجراءات ونقوم بتلك الاستعدادات وسط ذلك الجو الصاخب من الأهازيج الحربية والنخوات الحماسية وإذا بنا نفاجأ قبل أن ينتصف النهار بانسحاب القوم من مواقع تجمعهم وتواريهم عن الأنظار في أعماق الصحراء ... قيل لنا فيما بعد إن فرحان بن مشهور قد هاله ما كنا عليه من يقظة وحسن استعداد لمقابلته فتحول عنا خشية أن يصاب بهزيمة نكراء وقصد فريقا من قبيلة الشرارات يتزعمه (بخيت درويش) وتقع مضاربه على بعد عشرة أميال من منازلنا بالتقريب فنال منه واستولى على ابله وأغنامه
وفي أعقاب تلك الحادثة أغارت عشيرة أخرى من الشرارات على مراعي ابلنا فاستساقت عددا منها قبل أن يتمكن الرعاة من إيصال الخبر إلينا فعقدنا اجتماعا مع بعض المجاهدين يقرر فيه إرسال حسين العطواني وكنج شلغين للاتصال بحاكم الجوف الأمير عبد الله الحواسي أحاطته علما بذلك ثم وجهنا وفدا آخر إلى مدينة الرياض برئاسة آخي علي وعضوية معذى الدهام ونزال أبو شهيل فقابلو ابن مساعد أمير نجد واستعادوا بواسطته الإبل المسلوبة من قبل الشرارات وقد اعتذر هؤلاء عن فعلتهم بقولهم : لقد توهمنا أن الإبل عائدة إلى أهل الجبل من البدو الذين لنا ثارات قديمة عندهم ..أما بنو معروف فمعاذ الله أن نسطو على ابلهم ......
غير أن ابن مساعد هذا لم يلبث أن أرسل قوة بقيادة سالم الشيخ لترحيلنا إلى داخل المملكة بحجة المحافظة علينا وتجنبنا خطر العشائر البدوية المعادية لنا فلم نوافق على ذلك وقلنا للأمير المذكور
أننا نفضل الإقامة هنا في الحرّوالقرّ على سكن المدن والتمتع بالحياة الهادئة وسوف نتحمل أشقى أنواع شطف العيش والحرمان كيلا ننسى قضيتنا ونتراجع عن أهداف ثورتنا
ولما أصر الرجل على تنفيذ مهمته بعناد وتصميم طلبنا منه مهلة قصيرة ندرس خلالها أوضاعنا ورغبات رفاقنا فاستجاب لطلبنا بعد أن استشار رؤساءه وسارعنا بإرسال وفد مؤلف من محمد عز الدين وقاسم الحسنية وفواز حاطوم إلى الحجاز حيث حظوا بمقابلة العاهل السعودي الذي أحاطهم بعناية وتكريمه . أصغى باهتمام إلى جميع القضايا والأمور التي عرضوها على جلالته , ولكنهم لم يلمسوا منه تغيرا في سياسة حكومته المقررة
ولعل أسباب إصرار السلطات السعودية على ترحيلنا من مكان تجمعنا بالنبك وتوزيعنا في المناطق الداخلية للملكة هي الآتية:
1- الصلات الحسنة التي كانت قائمة بيننا وبين الأسرة الهاشمية منذ نشوب الثورة العربية الكبرى وكذلك علاقاتنا مع عشائر بني صخر وبوجه خاص مع شيوخ العشائر الأردنية كحديثة الخريشا ومثقال الفايز اللذين كانوا غير موالين للأسرة السعودية وسلطان العدوان وحمدي ابن جازه وآخرون وقد قدموا معونة تقدر بحمل اكثر من ثمانين جمل تموين
2- ثورة الشيخ ابن رفاده في بلاد نجد وتخوف السعوديين من أن نلعب دورا مماثلا لحساب الهاشميين بوادي السرحان
3- الاستجابة لضغط الدبلوماسية الفرنسية في الشرق التي كانت ترى إنها لا تقوى على قهر الحركة الوطنية المناوئة للانتداب الفرنسي داخل سورية ما دامت على اتصال مستمر بهيئة أركان القيادة العليا للثورة في وادي السرحان وبالشخصيات السياسية التي كانت تعمل بالأردن وفلسطين ومصر والمهجر لصالحها وصالح الثورة السورية الكبرى
فوجب أذن العمل على إيجاد تقارب فرنسي سعودي على غرار التقارب الإنكليزي الهاشمي ليقوم بنوع من التوازن بين القوى المتصارعة في الشرق يكفل للملكة العربية السعودية الناشئة أسباب قوتها ومنعتها وبخاصة بعد أن ازدادت الروابط السياسية متانة بين الإنكليز والهاشميين بتتويج الملك فيصل ملكا على العراق
وبذلنا جهودا صادقة لإقناع الملك عبد العزيز والسلطات السعودية بان إقامتنا في وادي السرحان لا تتعدى اللجوء السياسي وان الواجب يدعونا إلى التزام الحياد التام بالنسبة للنزاع الهاشمي – السعودي وان مصلحتنا الشخصية تقتضي ذلك بالإضافة إلى مقتضيات المصلحة العامة وبان كل ثورة أو حركة عصيان على النظام القائم بالسعودية نستنكره ونعتبره خيانة وطنية تستوجب العقاب الصارم وبان صداقاتنا لحديثة الخريشي ولغيره من شيوخ العشائر الأردنية لا تعني تحالفا مقصودا به مناهضة الأسرة السعودية . ولما باءت جهودنا تلك بالفشل وظل الشك بأمرنا يساور المراجع العليا . قررنا إيفاد يوسف العيسمي إلى الحجاز لمقابلة جلالة الملك عبد العزيز وإعطائه الأدلة الثابتة على حيادنا واحترامنا لقوانين اللجوء السياسي وأدبه . فحاول الدخول إلى الحجاز عن طريق مصر ولكن السلطات السعودية رفضت السماح له بذلك بحجة انه من الأشخاص غير المرغوب فيهم فاخذ يتصل عندئذ بالزعماء المصريين شارحا لهم أحوالنا السيئة بوادي السرحان والأوضاع المؤسفة التي آل إليها امرنا مناك وكان الصحفيان تيسير ذبيان وعباس المصفي يرافقانه في تنقلاته بين القاهرة والإسكندرية فقابل بالقاهرة مصطفى النحاس باشا واحمد زكي باشا ومحمد علي الطاهر كما زار أمير الشعراء احمد شوقي ونقل أليه شكرنا على الأبيات الرائعة التي وصف الموحدون فيها بقوله في قصيدته الشهيرة التي نضمها في أعقاب ضرب الفرنسيين لمدينة دمشق عام 1925
دمشق احمد شوقي أمير الشعراء
سلام من صبـــا بردى ارق******** ودمع لا يكفكف يا دمشق
وبي مما رمتك به الليـــالي******** جراحات لها في القلب عمق
صلاح الدين تاجك لم يجمل******** ولم يوسم بازين منه فرق
رباع الخلد ويحك ما دهاهـــا******* أحق إنها درست ؟ أحق ؟
وللمستعمرين وان ألانـــــوا ******* قلوب كالحجارة لا ترق
دم الثوار تعرفه فرنــــــــسا******* وتعلم انه نور وحق
وللأوطان في دم كل حـــــــر******* يد سلفت ودين مستحق
وللحرية الحمراء بـــــــــاب******* بكل يد مضرجة يدق
جزاكم ذو الجلال بني دمشق******* وعز الشرق أوله دمشق
نصرتم يوم محنة أخــــــاكم******* وكل أخ بنصر أخيه حق
وما كان للموحدون قبيل شـــــر******* وان اخذوا بما لم يستحقوا
ولكن ذادت وقراة ضيـــــــف******* كينبوع الصفا خشنو ورقوا
لهم جبل أشم شـــــــــــعاـف***** موارده في السحاب الجون بلق
لكل لبؤة ولكل شــــــــــــبل******** نضال دون غابته ورشق
كأن السموأل فيه شــــــــيئا******** فكل جهاته شرف وخلق
ألقيت عام 1926
فأجبه أمير الشعراء قائلا :
يستحق الموحدون المدافعون عن وطنهم وشرف أمتهم أن يهتم بهم الأدباء والمؤرخون وان يخلد الشعراء ذكرى أعمالهم المجيدة
وفي الإسكندرية قابل الأمير عمر طوسون وحاول إقناعه بتحويل التبرعات التي جمعت بمصر باسم ثورة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي إلى أطفال المجاهدين بوادي السرحان فلم يستجب لطلبه
وقد حاولنا في تلك الأثناء أيضا أن نتصل بفؤاد حمزة كتابة ليبذل ما بوسعه من جهود لدى الحكومة السعودية في سبيل تبديد تلك التهم والشكوك التي كانت تحوم حولنا وتسبب لنا المتاعب المشار إليها فأجابنا بكتابه هذا نصه
تحية وتكريما وبعد : فقد تشرفت بكتابكم وسعيت بواسطة بعض رجال جلالته بما كلفتموني به ولي الرجاء بان تجاب رغائبكم وقد فهمت أن سبب هذا الأمر هو خطيئات وقعت من بعض أناس هناك أساءت جلالته فالأمل أن لا يمكن أحد أن يصد منه ما يعكر الخاطر وارى من اللائق إجراء ما يلزم مقابلة أو مراسلة _ لإزالة سوء التفاهم وتأييد الولاء واستجلاب عطف جلالته ويمكنكم تأمين الاتصالات التي كان يوسف العيسمي قد قام بها في مصر فقد رأينا أن ينضم اثر عودته إلى آخي زيد وعلي عبيد اللذين أنطنا بهما مهمة الاتصال بأعضاء حزبي الشعب والاستقلال في عمان والقدس وبغيرهم من الشخصيات العربية التي كانت تعمل في نطاق المؤتمر السوري الفلسطيني ليعملوا جميعا على إيجاد حل مناسب للازمة التي كانت تواجهنا نحفظ بها كرامتنا ويجنبنا الصدام مع إخواننا وبني قومنا في السعودية
وفي أعقاب ذلك سافر شكري القوتلي على متن طائرة خاصة إلى الحجاز واجتمع بالملك عبد العزيز من فوره والتمس منه وقف الإجراءات المتخذة ضدنا وعدم التضييق علينا وإعطائنا حق اختيار المكان المناسب لسكننا في بلاده ثم أخذت البرقيات تتوارد على العاهل السعودي من سورية وبعض البلدان العربية دعما لوساطة القوتلي كان في جملتها برقية من هاشم الأناسي جاء فيها ما خلاصته ومؤداه :
أن معاملة سلطان الأطرش القائد العام للثورة السورية الكبرى ورفاقه المجاهدين بالحسنى لمن الواجبات التي تمليها علينا روابطنا الدينية والقومية نأمل من جلالتكم أن تشملوهم برعايتكم وان تعملوا على حفظ حياتهم وصيانة كرامتهم ما داموا مستأمنين في رحاب بلادكم العامرة
لقد كان لتلك المساعي الحميدة أثرها الإيجابي في نفس العاهل السعودي فلم نلبث أن شعرنا بشيء من الطمأنينة اثر ذلك مما ساعدنا على الاستقرار
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
alwalid
مـــوحــد/ة
مـــوحــد/ة


عدد الرسائل : 2
الدين أو المذهب : ما هو دينك أو مذهبك
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 10
نقاط : 100952
تاريخ التسجيل : 31/05/2011

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   الإثنين أغسطس 29, 2011 5:38 am

الموضوع حلو كثير
شكرا لكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
نور بني معروف
مشرفة
مشرفة


انثى عدد الرسائل : 8935
المزاج : الاتكال عالله
الدين أو المذهب : ما هو دينك أو مذهبك
عارظة الطاقة :
0 / 1000 / 100

السٌّمعَة : 39
نقاط : 159752
تاريخ التسجيل : 13/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: من مذكرات السلطان ...تسلسل   الأحد أكتوبر 23, 2011 5:40 am

شكرا لمرورك اخي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
من مذكرات السلطان ...تسلسل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
راية التوحيد :: الـــــمــــوحـــــدون :: قصص الموحدين عبر الزمان-
انتقل الى: